الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
65
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الحقيقة ووقع تعلق وتعليق وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ به على اعتبار المجاز العقلي ، فالمجاز في التعليق الثاني . وأما معنى التخريب فهو حقيقي بالنسبة لكلا المتعلقين فإن المعنى الحقيقي فيهما هو العبرة التي نبه عليها قوله تعالى : فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ ، أي اعتبروا بأن كان تخريب بيوتهم بفعلهم وكانت آلات التخريب من آلاتهم وآلات عدوهم . والاعتبار : النظر في دلالة الأشياء على لوازمها وعواقبها وأسبابها . وهو افتعال من العبرة ، وهي الموعظة . وقول « القاموس » : هي العجب قصور . وتقدم في قوله تعالى : لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ في سورة يوسف [ 111 ] . والخطاب في قوله : يا أُولِي الْأَبْصارِ موجّه إلى غير معين . ونودي أولو الأبصار بهذه الصلة ليشير إلى أن العبرة بحال بني النضير واضحة مكشوفة لكل ذي بصر مما شاهد ذلك ، ولكل ذي بصر يرى مواقع ديارهم بعدهم ، فتكون له عبرة قدرة اللّه على إخراجهم وتسليط المسلمين عليهم من غير قتال . وفي انتصار الحق على الباطل وانتصار أهل اليقين على المذبذبين . وقد احتج بهذه الآية بعض علماء الأصول لإثبات حجّيّة القياس بناء على أنه من الاعتبار . [ 3 ] [ سورة الحشر ( 59 ) : آية 3 ] وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ ( 3 ) وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا . جملة معترضة ناشئة عن جملة هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ [ الحشر : 2 ] . فالواو اعتراضية ، أي أخرجهم اللّه من قريتهم عقابا لهم على كفرهم وتكذيبهم للرسول صلى اللّه عليه وسلّم كما قال : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ [ الحشر : 4 ] ولو لم يعاقبهم اللّه بالجلاء لعاقبهم بالقتل والأسر لأنهم استحقّوا العقاب . فلو لم يقذف في قلوبهم الرعب حتى استسلموا لعاقبهم بجوع الحصار وفتح ديارهم عنوة فعذبوا قتلا وأسرا . والمراد بالتعذيب : الألم المحسوس بالأبدان بالقتل والجرح والأسر والإهانة وإلّا